hafid derradji

هل دخل إنفانتينو أخطر منعطف في رئاسته لـ”فيفا”؟

لم يعد الخلاف بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مجرد تباين في وجهات النظر حول مشروع استثماري، بل تحول إلى أزمة ثقة غير مسبوقة بين الهيئتين الكرويتين، تهدد منظومة إدارة كرة القدم العالمية. فبعد أن اضطر جياني إنفانتينو (56 عاماً) إلى التراجع عن مشروعه القاضي بإدخال مستثمرين في ملكية الحقوق التجارية لكأس العالم، ساد الاعتقاد بأن الأزمة قد انتهت.

غير أن البيان الأخير الصادر عن الاتحاد الأوروبي حمل رسالة مختلفة تماماً، إذ أكد أن الاتحادات الأعضاء في “يويفا” كانت واضحة بشأن شروطها، وأن هذه الشروط لم تتحقق بالكامل، رغم سحب المشروع المثير للجدل، حيث راح البعض يطالب برحيل الرئيس. لقد تأكد أن أصل الأزمة لم يعد المشروع الاستثماري وحده، بل أصبح مرتبطاً بثقة أوروبا بأسلوب إدارة جياني إنفانتينو فيفا، وطريقة اتخاذ القرارات المصيرية دون تشاور واسع مع الاتحادات القارية. وقد شدد “يويفا” على أن المطلوب ليس فقط سحب المشروع، وإنما أيضاً تقديم ضمانات بعدم تكرار مثل هذه المحاولات مستقبلاً، مع تأكيده استمرار فقدان الثقة بالقيادة الحالية لـ”فيفا”، قد تصل الى درجة إطاحة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، أو مقاطعة كل البطولات العالمية بما فيها نهائيات كاس العالم، بعد أن تيقنت أغلبية أعضاء كرة القدم العالمية من أن الأمر يتعلق بأزمة حوكمة أكثر منها أزمة استثمار.  

لقد كشفت هذه القضية عن انقسام عميق بين رؤيتين مختلفتين لإدارة كرة القدم العالمية. فالرؤية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي تعتبر أن كأس العالم إرث رياضي وإنساني لا ينبغي تحويله إلى أصل تجاري يخضع لمنطق الاستثمار والملكية الخاصة، وأن الحوكمة والشفافية والتشاور يجب أن تسبق أي قرار يمس مستقبل اللعبة. في المقابل، ترى القيادة الحالية لـ”فيفا” أن تنويع مصادر التمويل وتعظيم الإيرادات واستقطاب رؤوس الأموال الخاصة قد تفتح آفاقاً مالية جديدة لتطوير كرة القدم عالمياً، قبل أن تضطر إلى التراجع عن المشروع في ظل المعارضة الواسعة التي واجهها، لا سيما من الجانب الأوروبي.

ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بأن إنفانتينو يقترب من نهاية ولايته السياسية داخل “فيفا”، لكن الأزمة أضعفت موقعه بلا شك، وأفقدته جزءاً مهما من الدعم الأوروبي، كما فتحت الباب أمام مطالب بإصلاحات أوسع داخل الاتحاد الدولي. غير أن ميزان القوى داخل “فيفا” لا تحدده أوروبا وحدها، بل تشارك فيه 211 اتحاداً وطنياً، ولا يزال إنفانتينو يحتفظ بدعم معتبر داخل عدد من الاتحادات في أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا، وهو ما يجعل مستقبله مرتبطاً بقدرته على الحفاظ على هذا التحالف حتى انتخابات عام 2027، لكن إذا استمرت الأزمة الحالية، فمن الطبيعي أن تتعرض التحالفات التي دعمت إنفانتينو لضغوط سياسية وإعلامية متزايدة، خاصة إذا اتسعت دائرة المعارضين داخل القارات الأخرى، أو ظهرت شخصيات قادرة على توحيد المعسكر المطالب بالتغيير.

أما الحديث عن نهاية المحور الذي يضم إنفانتينو وباتريس موتسيبي وفوزي لقجع، فيبقى سابقاً لأوانه أيضاً، لأن ذلك يتوقف على مواقف الاتحادات الأفريقية والآسيوية خلال الأشهر المقبلة، وعلى ما إذا كانت ستواصل دعم الرئيس الحالي لـ”فيفا”، أم ستتجه إلى البحث عن قيادة جديدة قادرة على إعادة التوازن بين المصالح الاقتصادية والقيم الرياضية، وفي المقابل، سيكون على الاتحاد الأوروبي (يويفا) بقيادة اتحادات مثل انكلترا وفرنسا وألمانيا أن يثبت قدرته على توسيع دائرة المؤيدين لرؤيته اذا كان يريد فرض إصلاحات تتعلق بالشفافية والحوكمة، واعادة رسم العلاقة بين “فيفا” والاتحادات القارية.

أما إذا نجح إنفانتينو في احتواء الأزمة والحفاظ على أغلبيته الانتخابية، فمن المرجح أن يخرج منها سياسياً أضعف مما كان عليه، لكنه سيبقى في موقع القيادة. وفي جميع الأحوال، أثبتت هذه الأزمة أن كأس العالم لم تعد مجرد بطولة لكرة القدم، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي وقضايا الحوكمة الرياضية. كما كشفت أن مستقبل إدارة اللعبة قد يشهد خلال السنوات المقبلة صراعاً متزايداً حول طبيعة النموذج الذي ستتبناه كرة القدم العالمية، في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم.

حفيظ دراجي

العربي الجديد 8 أغسطس 2026

حفيظ دراجي

Advertisement

تابعوني على شبكات التواصل