بعد فوز منتخب الجزائر على بوتسوانا بالثلاثة وموزامبيق بالخمسة بقيادة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش (61 سنة)، في الجولتين الخامسة والسادسة من تصفيات كأس العالم من دون عدد من اللاعبين الأساسيين المصابين، وبشكل جميل وممتع ومقنع، وهوية لعب بدأت تتضح مع الوقت، أعلن المدرب السويسري في الندوة الصحافية التي أعقبت المباراة الأخيرة أنه “سيجد صعوبات في اختيار التشكيلة مستقبلاً” عندما يعود المصابون بونجاح، بن ناصر، زروقي، عوار، وحاج موسى، ويعود بلايلي وبن رحمة إلى مستواهما، في ظل تألق بوداوي، زرقان، بن زية، قندوسي، غويري، مع عمورة الذي انفجر وسجل خمسة أهداف في مباراتين، وتحول إلى أحد الكوادر المهمة في منظومة لعب المنتخب.
غياب الحارس ماندريا والمدافع توغاي، وثلاثي الوسط بن ناصر، زروقي وعوار إضافة إلى المهاجم بونجاح، عن مواجهة بوتسوانا الشاقة كانت توحي بأن بيتكوفيتش سيجد صعوبات في تشكيل الفريق وشكله وكيفية مواجهة منافس عنيد في ظروف مناخية صعبة وتوقيت غير مألوف، لكن اعتماده على ثنائي ارتكاز متكون من زرقان وبوداوي، وثنائي العمق الهجومي غويري وبن زية رفقة محرز وعمورة على الطرفين، كان موفقًا إلى حد بعيد، ما سمح بالاستحواذ على الكرة وفرض النسق البطيء الذي أراده، وتحقيق الفوز بثلاثية، سجل منها عمورة هدفين، ونصّب نفسه بين الركائز الجديدة للخُضر وليس مجرد جوكر يشارك احتياطياً كل مرة، أو يخرج بعد ساعة من اللعب.
أمام موزامبيق، كان كثير من الملاحظين يتوقعون اعتماد المدرب على التشكيلة نفسها ما عدا يوسف عطال المصاب، فكانت المفاجأة بإقحام المدافع الأيسر حجام على الجهة اليمنى، والاستناد إلى بوداوي رفقة قندوسي وشايبي بدلاً من زرقان و بن زية في الوسط، والثنائي نفسه على الرواقين، محرز وعمورة، وكانت النتيجة وجهٌ أفضل، تميز بقدرة خارقة على الاستحواذ والضغط العالي بدفاع متقدم وحيوية ملحوظة سمحت بخلق المساحات والفراغات والفرص، وتسجيل خمسة أهداف من وضعيات مختلفة، حقق بفضلها فوزاً مهماً أمام حضور جماهيري جميل رسم بدوره صوراً رائعة قبل المباراة وأثناءها وبعدها، في سهرة رمضانية خرج منها الجميع مطمئناً وواثقاً من بداية عودة الثقة في كل الأوساط.
في شهر يونيو المقبل، سيستدعي بيتكوفيتش كل اللاعبين للمشاركة في مباراتين وديتين، الأولى ضد منتخب النيجر في الجزائر، ثم السويد في استوكهولم، وحينها، سيضطر إلى تشكيل منتخبين مختلفين بهوية اللعب نفسها، والفلسفة الكروية والروح العالية التي تميز اللاعبين، بمن فيهم الاحتياطيون الذين كانوا يدخلون كل مرة بالروح والسعادة في اللعب التي صارت تغمر بلايلي وبن رحمة، والولدين الصغيرين إبراهيم مازة وأمين شياخة، في منتخب لم يعد يعتمد على لاعب أو اثنين، أو نجم أو نجمين، ومنتخب سقطت فيه خرافة عمورة الجوكر الذي لا يمكنه اللعب أساسياً، وخرافة غويري الذي لا يمكنه اللعب في مركز قلب الهجوم، إضافة إلى خرافات أخرى عمّرت سنوات وصدقها كثيرون.
رغم تحطيمه كل الخرافات، وتجاوزه كل السلوكيات في صمت ودون ضجيج فوق الميدان وليس خلال الندوات الصحافية، فإن بيتكوفيتش وقع فعلاً في ورطة كبيرة في اختيار اللاعبين الذين سيخوضون المباريات القادمة بسبب كثرة الخيارات، خاصة في الوسط والهجوم، التي تمنح له أيضاً خيارات متعددة في أسلوب اللعب حسب المنافسين والظروف، ومع ذلك، فقد تمكن الرجل من التحكم في مجموعته وفرض أسلوبه بسلاسة ومن دون ضجيج أو مواجهة مع اللاعبين ووسائل الإعلام، على مدى 12 مباراة فاز في تسعة منها وخسر واحدة، وسجل فيها 33 هدفاً، وتلقى 12، محققاً من خلالها المطلوب لحد الآن باعتلاء ريادة ترتيب مجموعته المؤهلة لنهائيات كأس العالم 2026، قبل أربع جولات من نهاية التصفيات التي يريد أن يركز عليها المدرب قبل التفكير في نهائيات كأس أمم أفريقيا المقررة نهاية السنة الجارية.
أزمة بيتكوفيتش مع الخُضر كان سببها هو، وحلها يبقى بين يديه هو دون سواه، ويبقى المهم بالنسبة للجماهير هو الاستمتاع بالنتائج والمردود، براحة ومن دون عناء أو ضغوط مهما كانت الأسماء التي ستنزل إلى أرضية الميدان، لأنها تمثل منتخب العهد الجديد المقبل على تطلعات كبيرة تقتضي مزيداً من العمل والطمأنينة والتركيز والهدوء ووضع الأرجل على الأرض.
حفيظ دراجي
العربي الجديد 29 مارس 2025