hafid derradji

متعة الكرة بين الحق في المشاهدة والحق في السرقة!

كلام كثير يثار هذه الأيام في وسائل الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي حول حقوق البث التلفزيوني للأحداث الرياضية التي عادت إلى الواجهة إثر السرقة المنظمة مع سبق الإصرار التي يمارسها علنا جهاز غريب مقره السعودية يطلق على نفسه تسمية قناة، يقوم بقرصنة مجموعة قنوات «بي ان سبورتس» بالكامل وبث كل مبارياتها وبرامجها بنفس المذيعين والمعلقين والمحتوى، مع وضع «لوغو» وهمي غير معترف به، مقابل اشتراك رمزي يتم تحصيله بدون وجه حق من مشتركين في الداخل والخارج يعشقون الرياضة ويأملون في مشاهدة مباريات الكرة بمبالغ في المتناول.

الكيان الوهمي الذي ظهر بعد حصار قطر، يدعي أنه مجموعة قنوات رياضية «كوبية-كولمبية»، لكنه لم يسبق له وأن اقتنى حقوق البث من الهيئات الرياضية، ويكتفي بقرصنة قنوات «بي ان سبورتس» وتوفيرها للمشاهدين مقابل سعر رمزي بدون أن يدفع بدوره دولارا واحدا للهيئات الرياضية لاقتناء تلك الحقوق، وبدون أدنى اعتبار لمالك الحقوق الفعلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا الذي يدفع سنويا ملايين الدولارات لتوفير الحقوق في باقة واحدة للمشاهد في المنطقة عوض الاشتراك في قنوات مختلفة للاستمتاع بكل الدوريات والبطولات والأفلام والمسلسلات.

الأمر ذاته كانت تمارسه قنوات «شوتايم» و«أبوظبي الرياضية» و«أيه آر تي» السعودية قبل 10 سنوات، لكنه كان يسمى وقتها استثمارا وجب تشجيعه وتدعيمه وحمايته من القرصنة، وعندما ظهرت الجزيرة الرياضية أصبح الاستثمار ذاته يطلق عليه عبثا احتكارا، وبعد الحصار صارت القرصنة والسرقة لقنوات «بي ان سبورتس» حلالا وعملا بطوليا يجب تشجيعه ودعمه والسكوت عنه!

صحيح أن قيمة الاشتراك مع قنوات «بي ان سبورتس» القطرية مرتفعة نسبيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا مقابل القدرة الشرائية المحدودة لكثير من شعوب المنطقة العاشقة لكرة القدم، لكن الباقة تحوي كل الدوريات والبطولات، وليس كما كانت في عهد قنوات رياضية سابقة تقتصر على بث ثلاث دوريات على أقصى تقدير، كما أن تكاليف اقتناء الحقوق من الاتحادات المحلية والقارية والدولية ارتفعت بشكل جنوني منذ سنوات، حتى أن تكلفة حقوق بث الدوري الإنكليزي مثلا، بلغت 7 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة في كل أنحاء العالم، وبلغت قيمة حقوق بث نهائيات كأس العالم والألعاب الأولمبية مستويات غير مسبوقة. كما أن تكاليف الإنتاج التلفزيوني للبرامج والاستوديوهات المرافقة للدوريات والبطولات الكبرى في ارتفاع مستمر، خاصة بالنسبة لمجموعة من قنوات «بي ان سبورتس» التي توظف 1500 موظف.

صحيح أيضا أن القرصنة ظاهرة اجتماعية عالمية موجودة في كل العالم، يقوم بها أفراد وجماعات بأشكال مختلفة ومحدودة في المكان والزمان لأغراض شخصية ومادية، لكن أن تكون القرصنة والسرقة منظمة ومقننة في بلد من حجم السعودية سمح لأطراف معروفة بالسطو على حقوق الغير بحجة كسر الاحتكار، فهذا الأمر يثير الكثير من علامات الاستفهام في زمن الحصار المفروض على قطر من جيرانها الذي وصل بهم الأمر الى حد السطو العلني على حقوق مؤسساتهم وحتى أفرادهم!

قطر تمكنت من كسر الحصار بالصبر والعمل، وكسر احتكارها للحقوق التي تملكها كان يمكن أن يكون أيضا بالصبر والعمل تجاريا ومهنيا وأخلاقيا بدخول مجال التنافس الشريف على اقتناء الحقوق في المنطقة العربية من المالكين الحقيقيين للحقوق ومن قنوات «بي إن سبورتس» التي اضطرت لشراء الحقوق من قنوات «ايه آر تي» السعودية التي كانت تحتكر كل الحقوق بدون أن يتجرأ أي طرف على قرصنتها أو ادانتها والاحتجاج على ما يوصف اليوم بالاحتكار! لماذا كانت الأمور عادية قبل الحصار وبعده صارت احتكارا يجب تكسيره ولو بالسرقة العلنية المقننة؟

حق المشاهدة يجب ألا يقابله حق السرقة، والذي لا يمكنه اقتناء منزل وسيارة وباقي كماليات الحياة لا يمكنه تبرير سرقة سيارة والاستيلاء على ممتلكات غيره بمبرر حاجته لذلك، وحتى مشاهدة مباراة كرة القدم في الملعب هو حق لمن يدفع تذاكر الدخول وليس لمن لا يمكنه دفع ثمن التذكرة ويقتحم أسوار الملعب بحجة عدم قدرته على الدفع وحقه في مشاهدة المباراة، نفس الشيء ينطبق على المسارح ودور السينما وقاعات الحفلات، بل حتى على موزع الانترنت الشخصي في أي منزل يجب أن تدفع لتحصل على الخدمة.

يمكننا تفهم وتقبل ممارسة القرصنة كفعل معزول من طرف أفراد، لكن الهيئات والكيانات والبلدان التي تدعي حرصها على كسر الاحتكار وتوفير حاجيات مواطنيها، تعلم جيدا أن حقوق المواطنين هي كل لا يتجزأ، تقع على عاتق الدولة التي يجب أن توفر لشعوبها العيش الكريم والأمن والطمأنينة، وتوفر لهم المأكل والملبس والسكن والعلاج وكل وسائل الترفيه التي يحتاجها، بينها حق الاستمتاع بمباريات الكرة التي يعشقها. أما توفير شروط السرقة وتشجيع ممارسيها على السطو على حقوق الغير فهو عمل لا أخلاقي، لا يليق بالدول والحكومات، ولا يمكن التستر عليه والسكوت عنه، خاصة وأن الهيئات الرياضية المالكة الأصلية لهذه الحقوق لا يمكنها تقبل هذه التصرفات، وهي بصدد اتخاذ كل الإجراءات لحماية حقوقها قبل أن تكون حقوق مجموعة «بي ان سبورتس» ومشتركيها في المنطقة العربية، وعندما تدعي الجهات القائمة على الكيان الجديد بأن الأمر يتعلق بشركة «كوبية-كولمبية» فلماذا استشاط الكثير غضبا إن كان الكولمبيون والكوبيون هم المعنيون بالكلام عن القرصنة والسرقة؟
الحق لا يجزأ وفق الأهواء والسرقة لا تبرر مهما عظمت أو صغرت أسبابها وأحجامها.

حفيظ دراجي

نشر في القدس العربي يوم 10 مايو 2018

Advertisement

تابعوني على شبكات التواصل