hafid derradji

جعلنا من المنتخب “غولا” قد يأكل كل شيء.

المتتبع لردود الفعل التي أعقبت تعثر المنتخب الجزائري أمام بلجيكا في خرجته الأولى في المونديال والارواح التي سقطت حزنا على الهزيمة ، والنفوس التي بكت من شدة الحسرة وإنهارت معنوياتها ، وكل التحاليل والتعاليق الناقمة على الجزائر ومنتخبها وطاقمها ولاعبيها  يدرك مدى خطورة تعاطي الكثير من الجزائريين مع لعبة كرة القدم ومنتخب بلادهم الذي تحول في ظرف وجيز الى ظاهرة اجتماعية بالغة الخطورة تستوجب الوقوف عندها وإعادتها الى حجمها الحقيقي ونطاقها الرياضي والترفيهي والا كانت العواقب وخيمة على ابنائنا ومجتمعنا ..

عندما يموت المناصرون بسكتة قلبية من شدة الفرحة بالتأهل أو الحزن بسبب  إقصاء المنتخب ، ويبكي الصغار والكبار بمجرد خسارة المنتخب أمام أحد أحسن المنتخبات في العالم ، وقد تنهار المعنويات ويعم اليأس والحزن النفوس بسبب خروجنا في الدور الأول ، أو قد يصل بهم الفرح بالفوز والتأهل الى الدور الثاني درجة جنون العظمة.. حينذاك يفرض الموضوع نفسه ويصبح التعلق بالمنتخب مشكلة عويصة  تستوقفنا كلنا لكي نعيد النظر في التعاطي مع نتائج المنتخب ونبحث عن بدائل أخرى فكرية وثقافية وحضارية نجتهد ونتألق فيها ونعبر من خلالها عن تعلقنا بوطننا ..

إسبانيا بطلة العالم خرجت في الدور الأول وبنتائج هزيلة وغير متوقعه ، وإنجلترا معقل كرة القدم مسها الاقصاء أمام كوستاريكا ، وقبلهما غادرت الكاميرون واستراليا ، دون نسيان خسارة البرتغال برباعية  أمام ألمانيا وقد تخرج من المنافسة مثلما ستخرج نصف المنتخبات المشاركة في المونديال بعد أسبوع من الأن ، لكن رغم هذه الهزات الكروية التي زلزلت ثبات بعض المنتخبات لن تتوقف الأرض عن الدوران وستستمر الحياة بحلاوتها ومرها  لتبقى كرة القدم في مكانها الطبيعي مجرد لعبة نستمتع بها وما تفرزه مبارياتها  عوض إستغلالها للتغطية على اخفاقاتنا المتكررة في الكرة وفي مجالات أخرى أهم من جلد منفوخ وأهم من المنتخب ، لكن الغريب أن لا أحد يتألم لغير الكرة أو يبكي دونها أو يموت بسببها !!

اليوم سنواجه كوريا الجنوبية في المباراة الثانية وقد نفوز أو نخسر ولكن فوزنا لا يعني بأن المدرب كفؤ ولا المنتخب قوي ومنظومتنا الرياضية سليمة ، ولا يعني بأن الجزائر بلغت درجة عالية من الرقي والتقدم!! كما أن خسارتنا لا تعني بان كل شيء رديء وسيئ في المنتخب ، وخسارة المنتخب أيضا لا تعني خسارة وإخفاق الجزائر كلها لأن الاهتمام بالوطن كل لا يتجزأ الوطن و لايكون جزئيا على منتخبه لكرة القدم فأرواح أبنائنا ونفوسهم أغلى من أن تتألم وتتحسر بسبب خسارة في كأس العالم ..

الحياة في الجزائر متوقفة هذا الأيام والكل يترقب التعثر أو التأهل ليبيع الوهم في حال النجاح أو لتسويق اليأس في حالة التعثر دون وعي بخطورة الإفراط في استغلال الكرة و نتائج المنتخب الذي جعلنا منه غولا قد يأتي على ما تبقى من أشياء جميلة في هذا الوطن تستحق أن نعتني بها ونستثمر فيها لبناء جيل يحب وطنه دائما وليس ظرفيا  وفي كل المجالات وليس في مباريات المنتخب فقط، واذا لم يعد بمقدورنا أن نترك أثرا جميلا في القلوب والنفوس فلا نتجنى على أتنفسنا وعلى أبنائنا وقبل ذلك على وطننا بزرع الألم واليأس الذي من المؤكد أن يكون حصادها فسادا بل دمارا   ..

حفيظ دراجي

نشر في جريدة الشروق بتاريخ 23 جوان 2014

Advertisement

تابعوني على شبكات التواصل