نشر في موقع كل شيئ عن الجزائر بتاريخ 2 جوان 2014
من زمان كنا نعتقد بأن البرازيليين هم مجانين الكرة يتنفسونها ويأكلون ويشربون منها ، ويعشقون لاعبيهم ونواديهم ومنتخب بلادهم أكثر من عشقهم لأبنائهم وأهاليهم، ولكن الاضطرابات والمظاهرات التي تعيشها الكثير من المدن البرازيلية منذ سنتين ضد احتضان البرازيل للمونديال بسبب ارتفاع التكاليف واشتداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن البرازيليين يحبون بلدهم أكثر من حبهم للكرة ويهتمون بمستقبلهم أكثر من اهتمامهم بكأس العالم خاصة مع تزايد موجة الغضب والرفض أياما قبل العرس العالمي احتجاجا على التكاليف الباهظة التي صرفت من أجل ترميم الملاعب وتشييد المرافق لاحتضان المونديال في وقت يعاني فيه غالبية الشعب من متاعب متعددة.
كل شيء مع الاضطرابات في البرازيل بدأ مطلع 2013 احتجاجا على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار تذاكر الحافلات والقطارات والميترو، ثم احتجاجا على إسراف الحكومة في الانفاق على تنظيم كأس العالم دون الاهتمام برفع مستوى خدمات المواطنين والاستثمار في مشاريع التعليم والاسكان والصحة وتلبية حاجياتهم المختلفة ، وتواصلت بعد ذلك الاحتجاجات بمشاركة مختلف فئات المجتمع في كل المدن البرازيلية في سيناريو أدهش العالم الذي كان دائما يعتقد بأن الكرة في البرازيل تنسي سكانها همومهم ومشاكلهم ، ولن يوجد ما يلهيهم عن متعة اللعبة حتى ولو كان لقمة العيش..
إلى غاية اليوم يتظاهر البرازيليون بأعداد متزايدة، وسيتظاهرون طيلة أيام المونديال في كل المدن رغم عشقهم للكرة ورغم نسبة النمو المرتفعة التي شهدها البلد في العشرين السنة الماضية حتى صار من أحسن البلدان في أمريكا الجنوبية، وعشقه لكرة القدم لم يمنعه من أن يعشق الحياة الكريمة ويحلم بمستقبل أفضل لن يتحقق بالفوز بكأس العالم، بل يتحقق بالمزيد من التضحيات والجهود والوعي السياسي الجماعي بأن زمن استغفال الشعوب بالكرة واللهو قد ولى، وبأن الوطن أولى من المنتخب ومن الكرة وكأس العالم ..
آخر استطلاع للرأي أظهر بأن نصف الشعب البرازيلي يرفض احتضان البرازيل لكأس العالم بما يترتب عليه من انفاق لا يجدي نفعا حسبهم ، فيما ذهب النصف الآخر إلى الاعتقاد بأن البرازيليين ليسوا ضد احتضان بلدهم لكأس العالم ولكن ضد الاسراف والفساد واختلاس المال العام، ضد سوء إدارة قطاع الصحة والنظام التعليمي، و راحوا يثمنون استفاقة الشعب البرازيلي من سباته، وأسلوبه الحضاري في المطالبة بحقوقه السياسية والاجتماعية رغم اغراءات الكرة وعشقهم لها وتعلقهم بمنتخب بلادهم ..
“كأس من دون شعب، أنا في الشارع مجددا” هو الشعار الذي يرفعه البرازيليون اليوم ويريدون من خلاله تحقيق مطالبهم و الانتصار لوطنهم بالاحتجاج في الشارع بعدما كانوا يبدعون وينتصرون فوق ميادين الكرة من خلال نجومهم ومنتخبهم، وقد يصل الأمر إلى مقاطعة مباريات المنتخب البرازيلي في المونديال مما يزيد من الضغط على اللاعبين وينعكس على تنظيم البطولة ..
وعندما يصل البرازيليون إلى هذه الدرجة من اللامبالاة بالكرة والمونديال ومنتخب بلادهم ، وإلى هذه الدرجة من الوعي بضرورة الاستمرار في التظاهر السلمي كوسيلة للاحتجاج لتحسين ظروفهم المعيشية ومحاربة كل أشكال التخلف والفساد فهذا يعني بأن العالم يتغير والشعوب تزداد وعيا ، وتتخلص من عبادة كرة القدم لتعيدها إلى اطارها … مجرد لعبة ترفيهية لا تمنع الناس من النوم والأكل والشرب ولا تلهيهم عن قضاياهم الأساسية ..
حفيظ دراجي
نشر في موقع كل شيئ عن الجزائر بتاريخ 2 جوان 2014